يمكن الاعتماد على الدراسة التى قام بها الباحث الألمانى رولف كراوس Rolf Krauss فى إثبات أن رأس الملكة نفرتيتى خرج من مصر بطريق الغش والخداع. فقد أوضح أن لودفيج بورخارت وصف رأس الملكة على أنه رأس لأميرة، كما وصف التمثال، المصنوع أساسًا من الحجر الجيرى، بطريقة توحى بأنه من الجبس.
وقد سبق أن أوضحت فى المقالات السابقة أن رأس نفرتيتى كان موضوعًا بطريقة لا تسمح للمندوب الفرنسى جوستاف لوفيفر، مسؤول قسمة الآثار بين المتحف المصرى والبعثة الألمانية، بأن يراه بالصورة الكاملة. وأن بورخارت لم يكن يريد أن يكشف لأحد القيمة الحقيقية لهذا التمثال. كما أن الرأس لم يظهر للعالم إلا بعد نحو عشر سنوات من اكتشافه وتهريبه إلى ألمانيا، وهو ما أعتقد أنه كان بسبب خوف بورخارت من أن يطالب المصريون بعودته إلى مصر فورًا، وهو ما حدث بالفعل بمجرد الكشف عن رأس الملكة نفرتيتى فى برلين.
ويستكمل كراوس دراسته مشيرًا إلى أن جوتربوك حاول أن يقدم وصفًا لكيفية عرض التمثال، وأن الرأس كان موجودًا داخل المكان ولم يره مندوب مصلحة الآثار بالشكل الذى يسمح له بتقدير أهميته. ويقول كراوس إن الرسائل والمذكرات المرتبطة بعائلة جوتربوك توضح السبب الذى جعل بورخارت يتعامل بهذه الطريقة مع لوفيفر.
وهناك تفسير آخر قدمه الكاتب إرنست فيدر Ernst Feder، الذى كان يعيش فى برلين وكان على معرفة بعدم شرعية وجود رأس نفرتيتى. وقد ذكر فى مذكراته بتاريخ 24 فبراير 1930 أنه عندما أصبحت قضية إعادة رأس نفرتيتى إلى مصر مطروحة بقوة، دخل مع عدد من المسؤولين فى مناقشات حول إمكانية إعادة الرأس. وكان هناك اتجاه لإعادة الرأس بالفعل، ولكن كان لا بد من الحصول على موافقة رئيس الوزراء البروسى، خاصة أن الأمر يتعلق بقطعة موجودة فى أحد متاحف الدولة.
لقد استغل بورخارت أن المندوب لوفيفر كان يقوم بتقسيم القطع، وأن هناك اتفاقًا يتعلق بالقطع المصنوعة من الجبس. وعلى هذا الأساس قام بورخارت بوضع الرأس ضمن مجموعة القطع التى قُدمت باعتبارها مصنوعة من الجبس.
ولكن الحقيقة أن الرأس ليس مصنوعًا من الجبس، وإنما من الحجر الجيرى المغطى بطبقة رقيقة من الجبس. وعلى الرغم من وجود طبقات من الجبس على بعض الأجزاء، فإن جوهر التمثال ومادته الأساسية من الحجر الجيرى. وعند جمع المعلومات المتاحة معًا، يبدو أن بورخارت تعمد وصف رأس نفرتيتى بطريقة توحى بأنه مصنوع من الجبس عندما وجد أن لوفيفر سوف يسمح بخروج القطع الجبسية.
وقد ظهرت معلومات عن عملية القسمة بعد ذلك بسنوات، ونُشرت تفاصيل تتعلق بها، لكن بورخارت كان قد توفى قبل أن يرد بصورة كاملة على الاتهامات التى وجهت إليه. ففى عام 1938 مات بورخارت، وانتقلت أسرته بعد ذلك إلى خارج برلين، ولم ترد زوجته بصورة مباشرة على ما نشره فيدر، بل تركت الرد إلى أوتو روبنسون Otto Rubensohn، الذى قدم وصفًا لبورخارت ولعمله الأثرى فى مصر. وفى خطاب يتعلق بقضية الرأس، حاول روبنسون الدفاع عن بورخارت، وقال إنه كان يعرف الطريقة الجادة والصحيحة التى كان يعمل بها أثناء تعاملاته مع الحكومة المصرية، وإنه لا يستطيع أن يصدق أن بورخارت قام بتزييف الحقائق أو عرض القطع بطريقة مضللة على ممثل مصلحة الآثار. ولكن رولف كراوس، بعد انتهاء دراسته، وصل إلى نتيجة مختلفة، وهى أن رأس نفرتيتى خرج من مصر بطريقة غير قانونية، وأن مجموعة من القرائن تشير إلى أن التمثال غادر البلاد بالغش والخداع.
ومن أهم النقاط التى أشار إليها أن هناك احتمالًا بأن بورخارت أخرج الرأس عن طريق الحقائب الدبلوماسية أو بطريقة أخرى لم تتفق مع الإجراءات المعتادة، ولذلك ظهرت المطالب المصرية بعودة نفرتيتى بعد معرفة حقيقة الرأس. كما أن الجمعية الألمانية الشرقية DOQ، التى كانت تشرف على أعمال الحفائر فى مصر، كانت على علم بأهمية القضية، وكان واضحًا أن ما حدث يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالقانون. وفى عام 1929 أصبحت قضية عودة الرأس إلى مصر مطروحة بجدية، وفى عام 1930 تم التوصل إلى اتفاق لتبادل رأس نفرتيتى مع قطع أثرية مصرية مهمة، ولكن الاتفاق لم يُنفذ، واستمرت القضية بعد ذلك سنوات طويلة.
وعندما عدت إلى ملف نفرتيتى 2009، قمت بمخاطبة مدير متحف برلين، وطلبت منه أن يرسل لنا نسخة من بروتوكول القسمة الخاص بمكتشفات العمارنة. وكان الرد أن البروتوكول لم يعد موجودًا، وأن من المحتمل أن يكون قد فُقد أثناء الحرب العالمية. ولكننى كنت أعرف أن بعض الباحثين سبق أن شاهدوا هذا البروتوكول، ولذلك ظللت أبحث عن نسخة منه.
وعرفت بعد ذلك من خلال الدكتور جان، رئيس الجمعية البروسيه للتراث الثقافى، أن البروتوكول موجود بالفعل. وطلبت منه أن يرسل إلى مصر صورة من البروتوكول، وبدأت اتصالات جديدة من أجل الحصول عليه. وقد كانت هناك فى ذلك الوقت أصوات ألمانية غير مؤيدة لإعادة الرأس إلى مصر، وظهرت تصريحات تقول إن إرسال نفرتيتى إلى مصر حتى على سبيل الإعارة قد يؤدى إلى مظاهرات تطالب بعدم إعادتها مرة أخرى إلى ألمانيا. وقيل أيضًا إن من الممكن إعارة الرأس لمصر لمدة ثلاثة أشهر فقط، لكى يُعرض فى معرض مصرى، ولكن المشروع لم يتم. وقلت وقتها للجانب الألمانى وقتها إن مصر دولة قانون تحترم اتفاقاتها والتزاماتها، وإننا إذا وقعنا بروتوكولًا أو اتفاقًا رسميًا فسوف ننفذه.
وكان من أغرب ما قيل ضد إرسال الرأس إلى مصر أن نفرتيتى قطعة شديدة الحساسية وأنها قد لا تتحمل عملية النقل. وبعد ذلك بفترة وجدنا أن المتحف نفسه قام بتحريك الرأس داخل برلين، بل تم استخدامه فى مشروع فنى مثير للجدل، وجرى نقل التمثال إلى استديو الفنان، حيث وُضع فوق جسم امرأة عارى!
لقد هاجمت هذا التصرف فى الصحف العالمية، لأن من غير المقبول أن يقال إن الرأس لا يستطيع السفر إلى مصر بسبب حالته، ثم يتم نقله واستخدامه فى مشروع فنى بهذه الصورة الفجة.
وأخيراً لا بد هنا أن أشير إلى الدور الكبير الذى قام به الوزير محمد العرابى أثناء عمله سفيرًا لمصر فى ألمانيا، فقد استطاع أن يحقق العديد من النتائج المهمة فى إطار الحملة التى قمنا.