بقلم : عبد الرحمن شلقم
القاراتُ الخمس تمتدُّ فوقَها خطوطٌ وهمية، تُسمَّى خطوطَ الطول والعرض، تهتدي بها السفنُ والطائرات، وكلَّ التحركات على الفضاءات الجوية والبحرية والبرية. لكن هذه الدنيا الفسيحة، التي يتشارك فوق وجودها المليارات من البشر، فيهم الغنيُّ الذي يزرع ويصنع، ويشبع حاجاته ممَّا يفدحُه عقله، وتصنعه وتزرعه يداه. آخرون يعيشون على حياض أراضيهم الجافة، وعلى ما تفيض به دماء إخوتهم فيما يُسمى الأوطان. وسائل الإعلام الحديثة بما فيها ما نراه أو نسمعه، تصفع عقولنا قبل أن تقصف آذاننا، نرى أمماً تتعارك بمدافع العقل والمنطق والمصلحة الوطنية.
أحزابٌ تقارع بعضها بقوة البرامج، ومنطق البدائل التي تشتبك مع مطالب الجموع، من عصارة مشاكلها. هناك من يتظاهر، وهناك من يقول على الراديو أو التلفزيون، وهناكَ آلاف يتدافعون في الشوارع. لكن لكل حزبٍ صناديق يتحرَّك نحوها، ويراهن على الأوراق التي ستتكَّدس بها. في كل مجتمع يزدحم اللون السياسي والاجتماعي وحتى النفسي، لكن للاختلاف عظمة قوة تضيف، رغم نزق بعض البسطاء. الاختلاف يضيف لزخم الفعل الوطني، بما فيه من تحريك لطاقات متجددة، طاقاتها شباب وُلدوا في زمن أقبل بعدما كان في ردحٍ مضى. العقل قوة تتخلق وتتجدد، مثلما تجري في الأجساد قوة يوهنها العمر، وتجثم عليها عاديات السنين. نرى اليوم في أوروبا جيلاً يرفع صوته في الشوارع، وتتعالى فيه درجات الاعتراض، وإيقاعات التعبير، لكنَّ للعقل الاجتماعي، كوابحَ حاكمة للتعبير بكل صوره ودرجاته. العنف والتخريب والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة، سلوك يَجِمُّهُ التكوين الاجتماعي والسياسي الوطني العام، ولكن ماذا عن غضب العوام. آسيا التي كانت يوماً محرقة الآيديولوجيا، وجبهة مواجهة بين الآيديولوجيات، وخنادق صراع بين المعسكرين الشرقي الشيوعي والغربي الرأسمالي، صارت اليوم مكمناً للعقول المبدعة، والمصانع التي تضخّ منتجاتها الرخيصة للدُّنا، صمت السلاح فيها، وصدع العقل المخترع والمصنّع. أميركا اللاتينية بعد حقبة النزق الآيديولوجي اليساري، جنحت إلى الخيار الديمقراطي، ودفنت عبث الانقلابات العسكرية. أوروبا بعد حربين عالميتين ذهب ضحيتها الملايين، صرخ عقلُها وسمعه وجدانُها، وانتقلت من التعاون في برنامج الحديد والصلب، إلى السوق الأوروبية، ومنه إلى الاتحاد الأوروبي الكونفدرالي. أفريقيا القارة التي تاهت عن نفسها بعد عقود من الاستغلال والاستعمار، ما زالت تعاني من الحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية والتدخل الأجنبي السياسي والعسكري والاقتصادي. السؤال المتفجرُ الذي قد نتحاشى الاقترابَ منه هو: وماذا عن دنيانا نحن معشرَ الناطقين باللغة العربية في المنطقة العربية؟ الإجابة عن هذا السؤال، تسكنه أكوامٌ من الحجارة الحارَّة، فيها حشاشةٌ من الحيرة والوجع، وآهات من ماضٍ فوقه أكوامُ من حطب المغالطات، وتراب كتحَ غبارَه على العقول والسنين. الدولة هي التكوين الجديد لكل تجمُّعٍ بشريّ، تساكن على أرضٍ واحدة، وتخلَّق فيه نسيجٌ بشريٌّ له مكوناتُه الثقافيةُ والاجتماعية والسياسية، لا يمكن أن يختزلَها أو أن يتجاوزَها شعارٌ سياسي. الدولة كيانٌ تأسيسي أساسي، في كل قارات العالم، وأي مُعطًى تكويني إقليمي أو جهوي، يستحيل أن يقفزَ على هذا التكوين التأسيسي، الذي يقوم عليه النظام الدولي اليوم.
كلُّ من يتحدَّث عن النسيج الدّيني أو القومي أو الجهوي، لتخليق تكوين سياسي أو حتى اجتماعي، فهو يحفرُ في الهواء، أو كَمن يمخضُ الماءَ وينتظر لبناً أو زبدة. في عالمنا اليوم هناك خطوطُ طول وعرض سياسية واجتماعية واقتصادية، ومن لا يدركها يسخر منه الواقع. أوروبا التي يجمعُها اليوم اتحادٌ كونفدرالي، لم تتوحَّد تحت شعار القومية الأوروبية، ولم تصنع من الماضي غلالةَ حلمٍ تغنى لها، أو ترقص على أناشيدها. أوروبا كانت قارة الحروب والقتال، عندما سيطر فيها الديكتاتوريون، وتحكمت فيها المغالبة، ولكن عندمَا فرضت الديمقراطية وحدها، وكانَ للناس قرارُهم في صناديق الاقتراع، قال العقلُ كلمتَه وصارت الأيدي صفحاتِ تعبيرٍ شعبية واعية. ما تعيشُه اليوم مناطقُ عدَّة في المنطقة العربية، حيث يهجرُ الأخُ أخاه، ويحرقُ الناسُ بعضَهم بعضاً باسم القبلية أو الدين، فذلك يعني أنَّ أهل هذا البراح، متساكنون لا يسكنون مع بعضهم بعضاً. كائنات تعادي نفسها، ولا تحتمل أصواتَ من يختلف معها، وإن سكنَ في الخيمة التي تحدُّ خيمته. العصرُ الحديث لا يعرف ولا يقبل الحدودَ التي تفصل البشر، ثقافياً أو دينياً أو عرقياً، ومن يفتل حبالَ التمييز العرقي أو الجهوي، فإنَّها تلتفُّ حول رقبةِ وجوده هو، المصالحةُ تبدأ مع إعادةِ البشر لذواتهم، وأن يعيدوا النظرَ، في خطوط الطول والعرض الإنسانية الواقعية، التي ترسم ملامحَ الوجود البشري الجديد. ولكن:
«ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يدركه
تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ»