بقلم - عبد اللطيف المناوي
من يصل إلى الحكم واعدًا الناس بخفض تكاليف حياتهم، يحدد بنفسه معيار محاسبته. قد تتعدد الملفات التى يديرها، وقد تتعقد الظروف التى يواجهها، لكن المواطن سيعود إلى الوعد الأول، هل أصبحت أقدر على العيش؟ وفى هذا السؤال جانب أساسى من تفسير خسارة الجمهوريين فى الانتخابات الأمريكية.
كان الرهان على الكفاءة الاقتصادية جزءا مهما من قوة ترامب السياسية، ولهذا تصبح خيبة الأمل فى المعيشة أشد أثرا من الإخفاق فى ملف لم ينتظر منه الناخب الكثير فيه؛ فالمواطن الذى يمنح ثقته لشخص على أساس قدرته على تحسين دخله يشعر بأنه خسر مرتين عندما يتراجع وضعه، خسر القدرة على الإنفاق، وخسر الثقة فى تقديره السابق.
أظهر استطلاع «أسوشيتد برس» أن نحو ثلثى الناخبين اعتبروا أن سياسات ترامب غذّت التضخم. وهذا يعنى أن قطاعا واسعا لم يكتفِ بالشعور بضيق المعيشة، بل نسب جانب من أسبابه إلى الإدارة. وحين يستقر هذا التفسير، تفقد محاولات إحالة المسؤولية إلى الآخرين كثير من قدرتها على الإقناع.
هنا تتحول الحرب والتعريفات الجمركية وغيرها من السياسات إلى اختبار للحكم. المواطن ليس مطالبا بالفصل الدقيق بين إسهام كل قرار فى زيادة الأسعار، تلك مهمة المختصين. لكنه يستطيع أن يقارن الوعود بالنتائج، وأن يسأل عما إذا كانت السلطة قد أحسنت تقدير الكلفة، وقدمت له تفسيرا مقنعا لتحملها.
وتتسع الفجوة حين تتحدث الحكومة عن مؤشرات لا يلمسها الناس. فتباطؤ التضخم لا يعيد الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعنى أنها ترتفع بوتيرة أبطأ. وقد تصعد البورصة بينما تظل أسرة عاجزة عن مواجهة فاتورة علاج مفاجئة. الاقتصاد فى تجربة المواطن هو أيضاً مقدار الأمان الذى يوفره له دخله.
والأمان لا يقاس بما يستطيع شراءه اليوم فقط، بل بما يتوقع أن يقدر عليه غدًا. فإذا أصبحت نفقة عادية مصدر قلق، واضطر إلى تأجيل علاج أو إصلاح ضرورى، فقد يسمع حديث الازدهار باعتباره دليلا على ابتعاد المسؤولين عن تجربته. وتصبح اللغة التى يفترض أن تطمئنه سببا إضافيا لعدم الثقة.
وتكشف المخاوف من الفساد عن جانب أعمق؛ ففى استطلاع الناخبين الذى نشرته «إيه بى سى نيوز»، اعتبر أكثر من النصف الفساد الحكومى عاملا حاسما فى تصويتهم. وحين يشعر المواطن بأنه يتحمل الأعباء بينما تستفيد دوائر النفوذ، يتحول الضيق الاقتصادى إلى اعتراض على الإنصاف وأولويات الحكم.
قد يتحمل الناس صعوبات إذا اقتنعوا بأن السلطة تصارحهم، وأن التضحية موزعة بعدالة، وأن هناك مسارا واضحا للخروج منها. أما إنكار المعاناة، أو التعامل معها بوصفها خطأ فى إدراك المواطنين، فيضيف إلى الغلاء شعورا بالإهانة.
الوعود تمنح السياسى فرصة للوصول، لكنها تبقى بعد ذلك فى ذاكرة الذين صدقوه.. وعندما تتناقض التجربة اليومية معها، يصبح كل فاتورة شراء تذكيرا صغيرا بالمسافة بين ما قيل وما حدث.