السنون الكثيفة

السنون الكثيفة

السنون الكثيفة

 عمان اليوم -

السنون الكثيفة

عبد الرحمن شلقم
بقلم - عبد الرحمن شلقم

الوقتُ حبلٌ يتعلَّق به البشر، يشدّ الإنسانَ في حين يعتقد الإنسان جازماً أنَّه هو الفاعل. حساب الأيام والشهور والسنين والعقود والقرون، عدادٌ صنعه الناسُ ليكونَ مقياساً لخطواتهم على الأرض، بأرقام يمدُّونها على بساط أزمانهم. كثافةُ الحساب بما فيه من أرقام تصنعها سرعة الحياة وثقلها بما فيها من شقاء أو هناء. عندما كان الإنسان يشقى ساعات طويلة، كي يحصل على قوت هين يجعله حيّاً، كان الوقتُ جبالاً يحملها البشرُ على كاهل وجودهم. اليومَ نحملُ الوقتَ في آلة صغيرة نربطُها حول المعصم، نسمّيها الساعة لها ثمنٌ يعلن عن قيمة حاملها.

في هذه الأيام تعيش الدنيا زحاماً مركَّباً، تنفجر فيه صرخاتُ النَّاس فرحاً وحزناً ورعباً. الحربُ في منطقتنا التي تُسمَّى الشرق الأوسط، لا تهدأ إلا كي تعبئ المزيد من آلات النَّار والدَّمار. صارَ المكانُ والزمانُ عندنا هو الشرخَ الأوسط؛ شرخ في العقول وفي النفوس وعلى الأرض، وليس الشرق الأوسط. اتفاقاتُ سلامٍ على الورق، وكلامٌ عن الحلول السَّلمية يفوحُ منه عطر الإنسانية والأخوة وحسن الجوار، والخناجر في الأيدي خلف الظهر. السّفن لا تعبر الماء، والمزارعون بلا بذور وسماد، ولكنَّ السلاحَ هو الحاضرُ والناطق والفاعل. كيف يصير الموتُ هدفاً بلون الشفق، تحدوه الأناشيد وخطابات التعبئة المقدسة، وأمَّا المعاناة التي يعيشها البشر، فتلك وهمٌ لا يراه أو يسمعه من يأمر بإطلاق النار على من لا سوطَ ولا صوت له. شرخُنا الأوسطُ طال الترابَ والأجساد والزمن، وصار عدادُه بدون آلات في المعاصم والرؤوس. التلفزيون صندوق يراه ويسمعه ملياراتُ البشر، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وأوطانهم وأديانهم، ويجلس أمامَه الكبارُ والصغارُ من الذكور والإناث، يزفُّ لهم تفاصيلَ ما يتحرَّك أو يُقال فوق الكرة الأرضية. أخبارُ الحروب والكوارث هي التي تسبقها كلمةُ «عاجل» باللون الأحمر. في هذه الأيام التي نخوض في خضمّها، ترتسمُ لوحاتٌ بشرية على الشَّاشات الملونة. مباريات كأس العالم لكرة القدم، حيث تدور معاركُ على مستطيلاتٍ خضراء، بين 22 مصارعاً يتواجهون بأقدامهم. لاعبونَ لهم أسماء تشعُّ وتملأ الأفواه. لكلّ واحد منهم ثمنٌ يصيب كثيرين بقشعريرة الغيرة والحسد وحتى الغضب عند سماعه. ملياراتٌ تركض فوق بساط أخضر، ولكل ساقٍ ثمنها، وشبكةُ المرمى هي الفم الذي تغويه لقمةُ الكرة. على مدرجات الملاعب آلافٌ يرقصون ويغنّون، كلُّ طائفة منهم تشجع فريقَها الوطني. الذي يُهزم يسري عليه غبارُ الحزن والإحباط، أمَّا المنتصرُ فترفرف حوله نسمات التبجيل والرفعة. كأسُ العالم لكرة القدم بمبارياتها المختلفة، حيث يتواجه لاعبونَ من بلدان كبيرة وأخرى صغيرة، بلدان غنية وأخرى لها قدرات مالية متواضعة، محفل يُروّض فيه العنف، ويُحوّل إلى متعة تبهر العيونَ وتحرك الأيدي بالتصفيق. في تلك الدنيا البعيدة؛ الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، حيث تدور معاركُ الأقدام العالمية، اهتزَّتِ الأرضُ بقربها في دولة فنزويلا، بضربةِ زلزال عنيف ماتَ فيه حتى الآن نحو ألفي إنسان، وهناك أكثر من خمسين ألفاً آخرَ تحت الركام. اهتزَّ الضمير العالمي لهذا الحدث الجلل، وهرعَ الآلاف من مختلف دول العالم للعمل على نجدة المنكوبين الذين يعلوهم الرُّكامُ الثقيل، واللاعبون في كل مباراة بكأس العالم يقفونَ دقيقةَ صمتٍ تضامناً مع منكوبي زلزال فنزويلا الرهيب. في الكونغو الديمقراطية انفجر وباءُ «إيبولا» الرَّهيب وعدَّادُ الضحايا لا يتوقف.

في أيامٍ قليلة عاشَ العالمُ كله، في لجج أحداثٍ مختلفة الألوان، تحركت فيها الإثارةُ والكوارثُ والفرح والحزن والألم. ما عاشه كلُّ البشر في أيام معدودة لم يعشه من سبقنا في عشرات السنين من أعمارهم. هل نقول إنَّ عدادَ الوقت قد اختلف، وإنَّ كثافةَ الزمن تتحرَّك وتتغير بلا توقف؟ قال الشاعر زهير بن أبي سلمى:

سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعش

ثمانينَ حولاً لا أبَا لكَ يسأمِ

شاعرُنا الكبير هذا، الذي سئمَ الحياةَ التي عاشَها على مدى ثمانين عاماً، ماذا رأى فيها وماذا عملَ وأكلَ وشربَ ولبس! بالتأكيد كانَت أيامُه متشابهة، حيث عاشَ في خيمة يتحرَّك في مضاربِ قبيلته، ويأكل الثريدَ إن وجده. ما عاشه في كلّ سنواته التي سئم من طولها لا تساوي يوماً واحداً فيما يعيشه إنسانُ اليوم. الشَّاعر نزار قباني قالَ:

لا تطلبِي منّي حسابَ حياتِي

إنَّ الحديثَ يطولُ يا مولاتِي

كلُّ العصورِ أنَا بها فكأنَّما

عمرِي ملايينٌ من السَّنواتِ

يمكنُنا أن نضعَ مقياسَ الزمن بين قوسين، قوس الشَّاعر الأول، زهير بن أبي سلمى، والثَّاني نزار قباني.

الأديبُ الشَّاعر الكبير إيليَّا أبوماضي حطَّ الإنسان في حلبةِ السنوات فقالَ:

قلْ للَّذِي أحْصَى السّنينَ مفاخراً

يَا صاحِ ليسَ السَّر في السَّنواتِ

لكنَّهُ في المرءِ كيف يعيشُها

في يقظةٍ أم في عميقِ سباتِ

قمْ عدَّ آلافَ السنين على الحَصى

أتعدَّ شبهَ فضيلةٍ لحصاةِ

الرّوائي الإيطالي ألبرتو مورافيا، كتبَ روايةً بعنوان «السَّأم»، عبَّر فيها عن إحساسِه بالفراغ الوجودي، ويحاول استعادةَ إحساسه بالحياة، وقبلهم قالَ الشَّاعر أبو العلاء المعرّي:

تَعبُ كلُّهَا الحَياةُ فمَا أعْجَبُ

إلَّا مِنْ رَاغبٍ فِي ازديَادِ

omantoday

GMT 22:48 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

أشباح أوسلو

GMT 22:47 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

كيف وجد همام الهمامي؟

GMT 22:46 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

القذّافي أو تأسيس المحنة الليبيّة

GMT 22:44 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

البرازيل... استقطاب ديني يسود الانتخابات

GMT 22:43 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

«فلاي دبي»... ما أقبح الإرهاب!

GMT 22:41 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

«حياة امرأة»

GMT 22:40 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

الغذاء يتحوّل اليوم سلاحاً جيوسياسياً

GMT 22:38 2026 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

المهرجان لا يعيش على التبرعات!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السنون الكثيفة السنون الكثيفة



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - عُمان اليوم

GMT 15:06 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 16:52 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon