عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ وَهَلْ يَخْفَى القَمَر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

 عمان اليوم -

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ وَهَلْ يَخْفَى القَمَر

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

لَا يُنَازِعُ أَحَدٌ الشَّاعِرَ الحِجَازِيَّ القُرَشِيَّ، عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ (23 - 93هـ = 644 - 712م)، عَلَى لَقَبِ (زَعِيمِ الغَزَلِيِّينَ).

وَلَقَدْ تَسَرَّبَ هَذَا التَّفَرُّدُ إِلَى نَفْسِ الشَّاعِرِ، يَقِينًا مَشُوبًا بِبَعْضِ زَهْوٍ، وَكَثِيرِ غُرُورٍ، وَظَهَرَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ شِعْرِهِ.

مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ قِصَّتِهِ مَعَ الأَخَوَاتِ الثَّلَاثِ، بِقَوْلِهِ:

بَيْنَمَا يَنْعَتْنَنِي أَبْصَرْنَنِي

دُونَ قَيْدِ المِيلِ يَعْدُو بِي الأَغَرْ

قَالَتِ الكُبْرَى: أَتَعْرِفْنَ الفَتَى؟

قَالَتِ الوُسْطَى: نَعَمْ، هَذَا عُمَرْ

قَالَتِ الصُّغْرَى، وَقَدْ تَيَّمْتُهَا:

قَدْ عَرَفْنَاهُ، وَهَلْ يَخْفَى القَمَرْ؟!

وَقَدْ بَلَغَ مِنْ غُرُورِ الشَّاعِرِ الفَحْلِ، أَنَّهُ نَقَلَ لَنَا فِي الأَبْيَاتِ السَّالِفَةِ، بِأَدَقِّ تَفْصِيلٍ، حِوَارًا بَيْنَ الأَخَوَاتِ الثَّلَاثِ، أَسْهَمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِجُزْءٍ مِنْهُ، مَوْضُوعُهُ الوَحِيدُ هُوَ الشَّاعِرُ، دُونَ سِوَاهُ!

فَهُنَّ يَنْعَتْنَهُ قَبْلَ أَنْ يُبْصِرْنَهُ، أَيْ أَنَّهُنَّ يَتَحَدَّثْنَ عَنْهُ بِأَوْصَافِهِ، فِي غِيَابِهِ، مِنْ فَرْطِ اهْتِمَامِهِنَّ بِهِ.

ثُمَّ يُقَدِّمُ لَهُنَّ الشَّاعِرُ هَدِيَّةً، وَكَأَنَّهَا مُكَافَأَةٌ لَهُنَّ عَلَى حَدِيثِهِنَّ عَنْهُ: أَنْ يَتَحَوَّلَ الخَيَالُ إِلَى حَقِيقَةٍ، وَيُصْبِحَ الغَائِبُ بِالحَدِيثِ عَنْهُ حَاضِرًا، وَمُكَافَأَتُهُنَّ بِرُؤْيَتِهِنَّ لَهُ: أَبْصَرْنَنِي...

ثُمَّ يَعْرِفْنَهُ حَاضِرًا، وَتَحْتَجُّ إِحْدَاهُنَّ لِمَعْرِفَتِهِ بِسُؤَالٍ اسْتِنْكَارِيٍّ، وَفِي الِاسْتِنْكَارِ تَضْمِينُ الإِجَابَةِ، دُونَ تَصْرِيحٍ بِهَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِ الأُخْتِ الصُّغْرَى:

وَهَلْ يَخْفَى القَمَرُ؟!

قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ (وَهَلْ يَخْفَى القَمَرُ؟)، ذَهَبَ مَثَلًا سَائِرًا، فَأَثْبَتَهُ ابْنُ رِفَاعَةَ (ت بعد 401هـ) فِي كِتَابِهِ «الأَمْثَالِ» بِقَوْلِهِ: يُضْرَبُ لِلأَمْرِ المَشْهُورِ، وَطَارَ المَثَلُ فَأَنْسَى القَائِلَ أَوْ كَادَ.

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ حُضُورِهِ المَشْهَدَ، لَمْ يَنْبِسِ الشَّاعِرُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، مُكْتَفِيًا بِالِاسْتِمْتَاعِ بِالتَّغَزُّلِ فِيهِ، مُظْهِرًا قُدْرَةً خَارِقَةً عَلَى السَّمْعِ، إِذِ الْتَقَطَ حَدِيثَ مُعْجَبَاتِهِ، فِيمَا كَانَ فَرَسُهُ الأَغَرُّ يَعْدُو بِهِ، عَلَى قَيْدِ مِيلٍ مِنْهُنَّ!

عَلَى أَنَّ الغُرُورَ لَمْ يُفْسِدِ الصَّنْعَةَ؛ فَابْنُ أَبِي الإِصْبَعِ (ت 654هـ) فِي «تَحْرِيرِ التَّحْبِيرِ» اتَّخَذَ هَذِهِ الأَبْيَاتَ شَاهِدَهُ عَلَى فَنِّ حِكَايَةِ الحِوَارِ فِي الشِّعْرِ، حِينَ يُخْتَصَرُ الكَلَامُ وَيُنْسَجُ بِإِحْكَامٍ، وَرَأَى فِيهَا دَقِيقَةً خَفِيَّةً: أَنَّ الشَّاعِرَ وَزَّعَ الأَدْوَارَ عَلَى الأَخَوَاتِ بِحَسَبِ السِّنِّ وَالرَّزَانَةِ، فَالكُبْرَى اكْتَفَتْ بِالسُّؤَالِ وَأَخْفَتْ مَا وَرَاءَهُ، لَكِنَّهَا بِطَرْحِهِ نَقَلَتِ الحَدِيثَ مِنْ تَحْتِ الطَّاوِلَةِ إِلَى فَوْقِهَا، وَكَأَنَّهَا مَنَحَتِ المَوْضُوعَ شَرْعِيَّةَ الطَّرْحِ، وَالوُسْطَى نَطَقَتْ بِالاسْمِ، فَحَوَّلَتْ بِمُشَارَكَتِهَا المَجَاهِيلَ إِلَى مَعَارِفَ مَعْرُوفَةٍ، قَائِلَةً بِلِسَانِ الحَالِ: العَمَلُ فِي الضَّوْءِ يَنْقُلُكَ مِنْ مَرْتَبَةِ المَشْكُوكِ فِيهِمْ إِلَى مَنَازِلِ المَوْثُوقِ بِهِمْ، أَمَّا الصُّغْرَى فَكَفَاهَا مِنَ التَّعَقُّلِ أَنْ لَمْ تَتَطَاوَلْ عَلَى الأَسَنِّ مِنْهَا، فَلَمَّا جَاءَ دَوْرُهَا، سَارَتْ عَلَى خُطَى كَبِيرَاتِهَا، وَأَطْلَقَتِ العِنَانَ لِصَبْوَتِهَا. وَرَأَى أَنَّ إِسْنَادَ تَشْبِيهِهِ بِالقَمَرِ إِلَى الصُّغْرَى تَلْوِيحٌ بِشَبَابِهِ، إِذِ الصَّغِيرَةُ لَا يَأْخُذُ بِقَلْبِهَا إِلَّا شَابٌّ مِثْلُهَا. فَالرَّجُلُ مَغْرُورٌ، نَعَمْ، لَكِنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَضَعُ غُرُورَهُ مَوَاضِعَهُ!

فِي بَيْتٍ آخَرَ، يَنْسُبُهُ الوَشَّاءُ (ت 325هـ)، فِي «المُوَشَّى»، لِشَاعِرِنَا الغَزَلِيِّ نَفْسِهِ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي دِيوَانِهِ، يُحَاوِلُ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً، بِقَوْلِهِ:

سَلَامٌ عَلَيْهَا مَا أَحَبَّتْ سَلَامَنَا

فَإِنْ كَرِهَتْهُ فَالسَّلَامُ عَلَى أُخْرَى

لَقَدْ تَوَاضَعَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فِي هَذَا البَيْتِ، عِنْدَمَا شَارَكَ فِي الحِوَارِ هَذِهِ المَرَّةَ، وَإِنْ كَانَ حِوَارَ الطَّرَفِ الوَاحِدِ!

وَمِنْ مَعَالِمِ تَوَاضُعِهِ أَنَّهُ بَدَأَ بِإِلْقَاءِ السَّلَامِ. وَالبَيْتُ يُرْوَى فَرْدًا وَحِيدًا، لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ مِنَ الأَبْيَاتِ.

لَكِنَّ الشَّاعِرَ الرَّقِيقَ، اشْتَرَطَ لِإِتْمَامِ السَّلَامِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَيْهَا، مَحَبَّتَهَا لِسَلَامِهِ!

وَيُحَدِّدُ الشَّاعِرُ فِي بَيْتِهِ خِيَارَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، لِتَخْتَارَ أَحَدَهُمَا السَّيِّدَةُ الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِبَيْتِهِ، وَهُمَا: أَنْ تُحِبَّ سَلَامَهُ، أَوْ أَنْ تَكْرَهَ هَذَا السَّلَامَ!

اخْتَارَ شَاعِرُ الغَزَلِ الشَّهِيرُ، السَّلَامَ لِبِدَايَةِ تَغَزُّلِهِ بِالأُنْثَى الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا فِي بَيْتِهِ، وَأَخْفَى شَخْصِيَّةَ هَذِهِ الأُنْثَى فَلَمْ يُسَمِّهَا، كَمَا لَمْ يَنْعَتْهَا بِوَصْفٍ، وَلَا أَدْرِي هَلِ الغَيْرَةُ عَلَيْهَا، هِيَ دَافِعُ إِخْفَائِهَا؟

وَإِذْ بَدَأَ عُمَرُ بَيْتَهُ مُتَوَاضِعًا بِإِلْقَاءِ السَّلَامِ، قَرَّرَ أَنْ يُنْهِيَهُ بِغَيْرِ مَا بَدَأَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ فِي جَزَاءِ كَارِهَةِ سَلَامِهِ، عَلَى أَنْ يَحْرِمَهَا السَّلَامَ، وَيَعْدُوَ بِسَلَامِهِ عَنْهَا وَيَتَعَدَّاهَا، مُلْقِيًا السَّلَامَ عَلَى أُخْرَى!

وَيَبْدُو وَاضِحًا أَنَّ هَذِهِ الأُخْرَى، يَجْرِي عَلَيْهَا مَا جَرَى عَلَى الأُولَى، إِنْ أَحَبَّتْ سَلَامَهُ سَلَّمَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَثَمَّةَ أُخْرَيَاتٌ يَلِيقُ بِهِنَّ السَّلَامُ، وَرُبَّمَا كُنَّ يَتَحَدَّثْنَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَهُنَّ تَحِيَّتُهُ!

اسْتَبْعَدَ بَعْضُ الذَّوَّاقَةِ نِسْبَةَ هَذَا البَيْتِ الفَرْدِ إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، إِذْ رَأَوْا فِي مَعَانِيهِ شَيْئًا مِنْ قَلَقٍ، فِي حِينِ يَصْدُرُ شِعْرُ زَعِيمِ الغَزَلِيِّينَ مِنْ نَفْسٍ تُظَلِّلُهَا السَّكِينَةُ!

وَهُوَ رَأْيٌ وَجِيهٌ، لَوْ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ أَنَّ القَلَقَ مَنْشَؤُهُ أَنَّ شَاعِرَ الغَزَلِ قَالَ بَيْتَهُ الوَاحِدَ تَحْتَ تَأْثِيرِ الصَّدْمَةِ! فَكَيْفَ تَجْرُؤُ امْرَأَةٌ خَفِيَّةٌ عَلَى كُرْهِ سَلَامِ القَمَرِ؟! تُرَى... مَنْ أَخْفَى عُمَرَ؟!

omantoday

GMT 17:15 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رئيس من خارج الصندوق

GMT 17:13 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كل حرب ولدت أخرى

GMT 17:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

ديارنا... بين مشروعين

GMT 17:09 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما تدخل السياسة الدولية بيتك

GMT 17:08 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

انتفاضة الديموغرافيا في إسرائيل

GMT 17:06 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

المنطقة بعد الانتخابات... أي حرب وأي تسوية؟

GMT 17:02 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

في انتظار ضربة حظ

GMT 16:59 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

صوت الأب الذى لا يغيب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ وَهَلْ يَخْفَى القَمَر عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ وَهَلْ يَخْفَى القَمَر



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض - عُمان اليوم

GMT 16:27 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 عمان اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 16:33 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 عمان اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 11:20 2020 الأحد ,10 أيار / مايو

بريشة : هارون

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 16:52 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon