بقلم - طارق الشناوي
اللغم الذي كان الإعلام والصحافة المصرية تتردد في الاقتراب منه، هو سؤال المطرب عبد الحليم حافظ عن شقيقه الكبير المطرب إسماعيل شبانة، سبقه إلى الدنيا بعشرة أعوام، ومثلها أيضاً في الغناء، ولحق به في العالم الآخر بعد عشر سنوات من رحيل العندليب، إسماعيل أنقذ شقيقه الصغير من غضب عدد من أفراد الأسرة، الذين اعتبروا ميلاده نذير شؤم على الأسرة، ماتت أمه أثناء ولادته ثم لحق بها أبوه.
إسماعيل اصطحب حليم من الملجأ إلى القاهرة ومهَّد له التقدم بأوراقه إلى معهد الموسيقى، إسماعيل لم يتحقق جماهيرياً، صوته كان يشبه عبد الحليم، وأشاد بإمكانياته كبار الملحنين أمثال رياض السنباطي وأحمد صدقي وعبد العظيم عبد الحق، رفض «الأخير» أن يمنح لحن أغنية «قلبي حبك» لعبد الحليم مفضلاً إسماعيل، وفي العديد من الأحاديث الموثَّقة لعبد الحق، أكد أنه غير نادم أبداً، لأن إسماعيل هو صاحب الصوت الأجمل.
لماذا تعثرت خطوات إسماعيل؟ صار مع الزمن وكأنه أحد مستشاري عبد الحليم الحريصين على استمرار نجاحه، متناسياً حلمه الخاص، يحلم فقط بتألق شقيقه الصغير.
حليم ظل مخلصاً لأسرته، وعاش عدد منهم في منزله، السؤال كان من المستحيل ترديده لأنه يثير حفيظة وحنق أسرة عبد الحليم، ولكن في واحدة من اللقاءات التي أجراها لعدد من التليفزيونات العربية قبل رحيله بأشهر قليلة، وبدأت في الأسابيع الأخيرة تجد مساحة على «اليوتيوب»، عندما واجهوه بالسؤال، قال إن عدم حصول إسماعيل على النجاح فقط لأنه قليل الحظ.
من الصعب قطعاً أن يذكر العندليب السبب الحقيقي، الأصعب أن تجد في قاموس اللغة الكلمات التي تعبر عن توصيف معنى الحضور، وهي المنحة التي امتلكها حليم وافتقدها إسماعيل.
لم ألتقِ مع عبد الحليم إلا في مرحلة الطفولة، شارك حليم في عيد ميلاد عمي الشاعر الغنائي الكبير مأمون الشناوي، وكانت هناك أسماء أخرى من المشاهير، ولكن ما أتذكره هو أنني بعيون الطفل، كنت أتابع فقط عبد الحليم، مع الزمن أدركت أنه الحضور الشخصي «الكاريزما».
روى لي صديقه الموسيقار الكبير كمال الطويل، أن عبد الحليم قبل أن يحقق الشهرة، كان يتمتع بحضور نادر، ومجرد مشاركته في أي تجمع يؤدي إلى أنه يسرق الاهتمام، ويستحوذ على كل العيون.
قال لي الشاعر محمد حمزة الذي ردد حليم من كلماته نحو 50 أغنية، إن العندليب صوت ملهم له كشاعر، في اللقاء الأول «سوَّاح»، لم يكن قد كتب فقط سوى المذهب، «سوَّاح وماشي في البلاد سوَّاح... والخطوة بيني وبين حبيبي براح»، أعجبت الكلمات حليم، وأدخله غرفة مكتبه، وأكمل حمزة في دقائق باقي المقاطع، كان المحرك الأول هو صوت عبد الحليم، قال لي حمزة كنت أتخيل نبرة صوته، وأجد الكلمات تخرج من قلبي ولا تصلح سوى لحنجرة حليم.
قال يوماً الشاعر الكبير كامل الشناوي: «عبد الحليم يكذب إذا تكلم ويصدق إذا غنى» البعض يعتبرها تنال من عبد الحليم الإنسان لصالح عبد الحليم الفنان.
والحقيقة من خلال كل ما أتيح لي أن أعرفهم في دائرة حليم، كل شيء في حياة حليم مُسَخَّر فقط من أجل الفنان، حضوره فقط للمطرب، وحظه أيضاً فقط للمطرب، لم يسعَ أبداً لإرضاء الإنسان عبد الحليم، ربما الإنسان إسماعيل شبانة كان هو الوجه الآخر لحليم، بقدر ما خذله الحضور الفني، نال حظه من السعادة كإنسان.