بقلم - عبد اللطيف المناوي
ربما تكون المفارقة الأكثر وضوحا فى المواجهة الأمريكية- الإيرانية الحالية أن الطرفين يرفعان سقف الضغوط فى اللحظة نفسها التى تتحرك فيها الوساطات لإعادتهما إلى التفاوض. واشنطن توسع العقوبات وتلوح بعزل من يتعامل مع إيران، وطهران تتشدد فى مضيق هرمز وتهدد بالرد على محاولات خنقها اقتصاديا. ومع ذلك، تتسارع الاتصالات عبر باكستان وعُمان، بينما تواصل مصر ودول أخرى محاولاتها لمنع العودة إلى الحرب المفتوحة.
الفرصة موجودة، أهم مؤشر جاء من باكستان. فقد تحدث الرئيس ترامب مع قائد الجيش الباكستانى عاصم منير، قبل زيارته الحالية لطهران، وطلب منه استخدام نفوذ إسلام آباد لدفع إيران نحو العودة إلى التفاوض. وبعد اجتماعات منير مع القيادة الإيرانية، تحدث الجانب الباكستانى عن تحقيق «تقدم مهم» فى مناقشة إنهاء المواجهة وإعادة فتح هرمز.
هذه ليست مفاوضات أمريكية- إيرانية بعد، لكنها أكثر من مجرد تبادل رسائل. باكستان تمتلك ميزة نادرة: علاقة عمل مع ترامب، وقنوات مباشرة مع المؤسسة السياسية والأمنية الإيرانية، فضلًا عن مصلحة حقيقية فى منع انفجار إقليمى جديد.
ثم تأتى عُمان. تاريخياً كانت مسقط القناة الأكثر هدوءا وثقة بين واشنطن وطهران، واليوم تملك عنصرا إضافيا يجعل استبعادها شبه مستحيل وهو مضيق هرمز نفسه.
أما مصر فقد تستطيع أداء دور مختلف. القاهرة لا تملك النفوذ المباشر الذى تملكه باكستان داخل طهران ولا الموقع الجغرافى العُمانى فى هرمز، لكنها تملك وزناً عربياً وقدرة على تقديم التسوية باعتبارها جزءا من استقرار إقليمى أوسع، لا اتفاق ثنائيا يمنح إيران أو الولايات المتحدة تفوقاً على دول المنطقة. ومن هنا يمكن أن يصبح الدور المصرى مفيدا، خصوصاً إذا انتقلت المفاوضات من وقف النار وهرمز إلى صياغة ترتيبات إقليمية أوسع.
لقد جرب الطرفان اتفاقًا مؤقتًا استمر ستين يومًا ولم يتحول إلى تسوية دائمة. لذلك أصبحت مشكلة الثقة فى تنفيذ الاتفاق أكبر من مشكلة الوصول إلى نص اتفاق جديد. من الممكن أن تصبح المفاوضات القادمة متعددة المستويات، باكستان تنقل الرسائل السياسية، عُمان تتولى ملف هرمز، مصر وربما قطر تساعدان فى بناء الغطاء الإقليمى، بينما تدخل الصين لاحقاً بوصفها ضامن اقتصادى أكثر منها وسيط سياسى. أما روسيا فالأرجح أن يظل دورها داعمًا لإيران أكثر من قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول أمريكيًا.
فرص النجاح ليست مرتفعة، لكنها لم تعد ضعيفة كما كانت. الطرفان اكتشفا خلال الشهور الماضية أن أمريكا تستطيع إيلام إيران لكنها لا تستطيع بسهولة إجبارها على الاستسلام، وإيران تستطيع تعطيل هرمز وإيذاء الاقتصاد العالمى لكنها لا تستطيع تحمل العزلة والحصار إلى ما لا نهاية. لهذا ربما تكون الظروف بدأت تنضج لمفاوضات جديدة.
لكن التحدى أن لا يدخل الطرفان المفاوضات للبحث عن منتصر، ولكن بحثاً عن صيغة يستطيع كل منهما أن يقدمها داخلياً باعتبارها انتصارا، وقد يكون تعدد الوسطاء هذه المرة جزءًا من الحل، لا علامة على تعقيد الأزمة.