بقلم - جمعة بوكليب
بعد مرور نحو 37 عاماً، تطفو قضية لوكربي على السطح مجدداً. هذه المرّة، التي ربما لن تكون الأخيرة، تستعد فيها المحاكم الأميركية لمقاضاة متهم ليبي بتهمة المشاركة في إعداد القنبلة التي فجرت طائرة «بان آم 103» الأميركية فوق بلدة لوكربي في أسكوتلندا خلال ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، وأدت إلى مقتل 270 شخصاً.
37 عاماً، خلالها اختفت إمبراطورية اسمها الاتحاد السوفياتي، وتغيرت خريطة العالم بظهور دول جديدة، واشتعلت حروبٌ عدة في مناطق كثيرة من العالم، ونشر فرنسيس فوكوياما «نهاية التاريخ»، وتلاه صمويل هنتنغتون بـ«صراع الحضارات»، وعرفنا نظام القطب الواحد، وعايشنا العولمة، وما سُميت «الصحوة الإسلامية»، وبعدها «الربيع العربي».
اللافت للاهتمام أن عودة القضية إلى السطح مجدداً، واستحواذها على اهتمام وسائل الإعلام الدولية، يأتيان في وقت لم يعد فيه للنظام المتورط فيها أي وجود. كما أن التوقيت جاء مع وفاة المتهم الثاني فيها خلال الأيام القليلة الماضية، وهو الأمين خليفة فحيمة، علماً بأن المحكمة الأسكوتلندية المنعقدة في هولندا حكمت عام 2001 ببراءته وأطلقت سراحه.
كما انتقل المتهم الأول عبد الباسط المقرحي إلى ذمة الله، بعد الإفراج عنه من السجن في أسكوتلندا لأسباب إنسانية؛ نتيجة إصابته بمرض عضال.
المتهم الثالث ضابط أمن اسمه أبو عجيلة المريمي، قيل إنه بعد سقوط نظام العقيد القذافي، اعْتُقِل وجرى التحقيق معه من قبل ضابط أمن أميركي جاء خصيصاً لإنفاذ المهمة، وخلال التحقيق اعترف المتهم بأنه هو مَن شغّل توقيت القنبلة في الحقيبة وسلمها إلى فحيمة بمالطا بصفته مسؤول «مكتب الخطوط الجوية الليبية» في فاليتا، الذي بدوره شحنها على الطائرة الأميركية. ورغم تراجع المتهم المريمي عن اعترافه في ما بعد، بزعم تعرضه للتعذيب، فإن قاضياً أميركياً عدّ الاعتراف كافياً لمثول المتهم أمام المحكمة.
الذين عاصروا القضية منذ البداية ولا يزالون أحياء يدركون ثقل الفاتورة التي دفعتها ليبيا، وفداحة الضرر الذي ألحقته بالنظام السابق سياسياً بأن صار منبوذاً دولياً سنوات عدة، وكذلك معاناة الليبيين من جرّاء العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على البلاد؛ مع الأخذ في الحسبان أن القضية عُدّت منتهية من خلال الاتفاق الليبي - الأميركي - البريطاني الذي بموجبه دفعت الحكومة الليبية تعويضات مالية كبيرة لعائلات الضحايا، مقابل رفع العقوبات عنها وعودتها إلى المسرح الدولي. وها هو الملف يُفتح من جديد، وخلال أيام قليلة مقبلة ستبدأ محكمة أميركية جلساتها؛ بهدف الاقتصاص عدلياً من كل من تورط فيه بالمشاركة.
يذكر أن إدانة الراحل عبد الباسط المقرحي عام 2001 لم تكن محل إجماع؛ فقد شكك فيها على مدى السنين محامون ومراقبون دوليون، بينهم مراقب أمم متحدة حضر المحاكمة، إضافة إلى صحافيين وباحثين تناولوا فرضية بديلة تربط الحادثة بجهات فلسطينية - إيرانية ردّاً على إسقاط الجيش الأميركي طائرة ركاب إيرانية عام 1988. هذه الشكوك لا تعني براءة النظام الليبي السابق، فقد استندت الإدانة الأصلية إلى أدلة قبلتها المحكمة، لكنها تعني أن الملف لم يكن يوماً بالوضوح الذي صُوّر به إعلامياً، وأن أي تقييم منصف للقضية اليوم ينبغي أن يأخذ هذا التعقيد في الحسبان بدل تبنّي رواية واحدة.
ومع بدء هذه الجلسات القضائية الجديدة، يظل السؤال شاخصاً في أفق المشهد: هل تغلق المحاكمةُ المرتقبة الصفحةَ الأخيرة من هذا الملف المعقد، أم إنها تفتح الباب أمام متوالية لا تنتهي من الملاحقات والتصفيات الجيوسياسية؟ وكيف لبلد يجهد للخروج من أزماته الراهنة أن يتجاوز إرثاً ثقيلاً يلاحقه كلما ظن أنه طواه؟
من حق عائلات الضحايا وحق العدالة الدولية أن تصل إلى الحقيقة كاملة، وأن يحاسَب كل من ثبت تورطه الفعلي، أياً كانت جنسيته أو الجهة التي ينتمي إليها. وهذا الحق لا يتعارض مع مطلب آخر لا يقل مشروعية: ألّا يُطلب من الليبيين؛ شعباً ودولة، دفع فاتورة سياسية جديدة عن جريمة استندت إدانتها الأصلية - وفق كثير من المتابعين القانونيين - إلى أدلة ظرفية، وقد يكون فيها أطراف آخرون لم يُحاسَبوا بعد. المطلوب إذن ليس إغلاق الملف تحاشياً للمحاسبة، بل محاكمة تتبع الأدلة أينما أفضت، دون أن تتحول أداةً لإعادة معاقبة شعب غارق في الأزمات باستغلال معاناته.