أيُّها الزَّمن مَن يعرفك

أيُّها الزَّمن... مَن يعرفك؟

أيُّها الزَّمن... مَن يعرفك؟

 عمان اليوم -

أيُّها الزَّمن مَن يعرفك

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

الحبلُ الطويلُ له رأس، وفي أليافِه دوراتٌ تصنعُ امتدادَ الحياة. في أيامِنا هذه التي نعيشُها، تصعقُنا الأخبارُ من الصَّباح إلى الليل، بأخبارِ الموتِ والدمار. الحروبُ صارتْ رفيقاً يقولُ ويضربُ عن قربٍ وعن بعد، ونحن آهاتٌ لها حواسُّ خرساءُ بكماء.

في اليمنِ نارٌ وقودُها حطبٌ قديم اختلطَ فيه التَّاريخ بأحزمةِ قبائل تضع على بطونِها خناجر مقوَّسة، وأحلام دافئة تتبع هدوء القيلولة وسمر الليل، في حين ساح «اليمن السعيد» مع هذه الأحلام واختُطف.

وعن لبنانَ لا تمضغ لسانَك لتنطق بما نسته الدنيا، وسكنَ في ركن سياسي، مسكوناً بصراع لم تصعقه شمسُ صباح الأيام. رحل الشعرُ العَطِر، وتاهَ صوتُ فيروزَ بين الوديانِ والجبال الخضراء.

آهٍ يا عراقَ المتنبّي الفيلسوفِ القلق، ويا طوفانَ العقلِ المعتزلي الذي تمرَّد على ركامِ مَا كان. آهٍ يا بلاد دجلة والفرات، يا حرَّةَ الزمان، كيف تترحَّلُ السنون بين أبي نواس وابن الرومي وأبي تمام، وعمالقة شعراءِ العصر العباسي، وصولاً إلى معروفِ الرصافي وعلي الوردي، ثم صدام حسين؟! قاعة الخلد العراقية، هل كانت مذبحة ثانية لـ«البرامكة»، أو كانت اغتيالاً لزمن عربيّ تائهٍ في حقبةٍ يتخلَّق فيها عصرٌ إنسانيٌّ آخر؟

في سوريا أرضِ التَّأسيس العربي الإسلامي، كانتِ الأرضُ ترتجفُ، وتفارقُ الحواسُّ الأجسام، ويتحوَّل العقلُ إلى طلقة يحملها مسدسٌ على حزامِ جندي أميّ، على رأسِه قبعةٌ تزهو بوهمِ طائفة. ارتعشَ مطربٌ وغنَّى وقالَ: آهٍ كم آهٍ، وهو يدخّنُ الأرجيلة. آهٍ كم آهٍ، عندمَا سمع نديمه المغنّي يقولُ:

لبَّيك يَا علمَ العروبةِ كلُّنا نفدِي الحمَى

لبَّيك واجعلْ من جماجمِنا لعزّك سُلَّمَا

لبَّيك إنْ عَطِشَ اللوَا سكبَ الشَّبابُ لهُ الدمَا

لبَّيك حتى ترفعُ الأرضُ الهتافَ إلى السمَا

عبد الله البردوني، اليمني الأعمى، الذي كان زرقاء الزمن الكظيم، قالَ مرة:

يمانيونَ في المنفَى

ومنفيُّونَ في اليمنِ

جنوبيُّونَ في صنعَا

شماليُّونَ في عدنِ

خطَى أكتوبرَ انقلبتْ

حُزيرانيَّةَ الكَفنِ

كيفَ نعبر طرقاً يرتعشُ فيها مقياسُ المسافات بين العقلِ والسلطة؟ نحن اليوم نعيش في يمامةٍ، دون امرأة لها عيونٌ ترى ما وراء الأكمة. الأكمةُ ليست مكاناً جغرافياً، بل هي أفقُ شفقٍ على شفةِ أفقٍ على الأرض والبحر، لكن رادار الحياة هو العقل، القوة التي واجهت بها بريطانيا طوفانَ الهجوم الجوي النازي المدمر. حضاراتٌ سادت ثم بادت، مقولةٌ يكررها سياقُ الجدل حول التاريخ. السؤال: من سادَ؟ ومن باد؟ وكيف؟ ولماذا؟ قال الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري:

يا أمّتي يا عصبةَ الأممِ

لا تغضبِي يا ثلج مِن ضَرَمِي

لا تغضبِي ويدي معطَّلة

أن أقذفَ اللعناتِ ملءَ فمي

وعلامَ تُغضبُ حكمةٌ تعِساً

خزيانَ محكوماً من القدمِ؟!

بل ما يضيرُ القدحُ في حَجرٍ؟!

بل ما يثيرُ الشَّحمَ في الورمِ؟!

الدَّمُ والنيران وفورة الأسى والحزن تنزِّل على الوجدان حبالَ الأسى، وتلتفُّ حبالٌ حولَ رقبة واقع يئن يزدري حتى أحزانه، ويحس أنَّ الدموع أسمى من أن تُذرف على صدر شجنِه.

في السودان تتيه جموع الناس في كل الاتجاهات هرباً من جحيم البارود، باحثة عن الأمن والأمان، في حين يعم الدخان الكثيف كلَّ أرض سلة غذاء الأوطان.

عندما تصيرُ الآيديولوجيا سوطاً تدمي ظهرَ العقول، ويقتل القادة بعضهم على طاولة الاجتماع، فتلك كانت البشارة الدامية لزمن أحمرَ كظيم.

لا تسألني عن ليبيا، فتلك أرضُ السؤال الأبكم، الذي تاهَ بين سرّ البحرِ الأبيض المتوسط، وسحرِ الصحراء الكبرى، وما تزفُّه أرض أم من حليب أسود لإرضاع أولادها:

أخي جاوزَ الظالمونَ المدى

فحقَّ الجهادُ وحقَّ الفدا

على أرض غزة هناك جثامين وركام. وما تعانيه الضفة الغربية، هل سيكون في فم المرء ريقٌ يرطب اللسان؟ لو علم علي محمود طه بما في العراق اليوم، هل ينادي بغدادَ، ويكتب على غرار قصيدة محمود حسن إسماعيل:

بغداد يا قلعة الأسود

يا كعبة المجد والخلود

أيها الزمن المتحرك الرهيب، هل نحن مَنْ جَهِلَكَ، أو أنت من لم يرنا ولم يسمعنا، أو في حواسك ما لم نفكّ شيفرته بعد، وبقي الأخرس أخرس، والأبكم أبكم؟

يفرُّ الزمن الحاضر من بين أيدينا، في حين يلتصق الزمن الغابر بأذهاننا كأنَّه جاثوم؛ لا نقدر أن نتحرر منه، وهو لا يريد فراقنا. استسلمنا له، فطاب له المقام!

omantoday

GMT 22:25 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

دخول مصرَ الحرب

GMT 22:24 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

أخباركم أخبارنا

GMT 22:22 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مصر والسعودية... «السيفُ أَصدقُ إنباءً من الكُتُبِ»

GMT 22:21 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الصورة الواقعية لمنطقتنا...من دون تجميل الـ«إيه آي»

GMT 22:20 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة...

GMT 22:18 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا... عودة الثنائية الحزبية

GMT 22:17 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

حرب عادلة ضد التمادي الحوثي

GMT 22:15 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

من يكره أطباء التجميل؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أيُّها الزَّمن مَن يعرفك أيُّها الزَّمن مَن يعرفك



الأسود يحافظ على مكانته والفخامة ترافق الحاضرات في الجونة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 10:53 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن في الخريف وجهات تكتسي بألوان الطبيعة الساحرة
 عمان اليوم - الأردن في الخريف وجهات تكتسي بألوان الطبيعة الساحرة

GMT 11:03 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

خطأ مميت لنباتات الزينة يقوم به معظم المبتدئين
 عمان اليوم - خطأ مميت لنباتات الزينة يقوم به معظم المبتدئين

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon