الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة...

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة...

 عمان اليوم -

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

في كلّ حركة سياسيّة أو آيديولوجيّة كبرى مُكوّنٌ تُعامله الحركة، أو تنظر إليه، بوصفه نقطة ضعفها. هكذا ينتاب الحلفاءَ الأكثر جدّيّة شعورٌ بالحرج، إن لم يكن الخجل، حياله وحيال التحالف معه. فالمُكوّن المذكور قد يطبّق العقيدة بشكل سيّئ، وقد يضيف إليها هرطقاته الخاصّة به، وقد يقدم على أفعال غير مدروسة تورّط الآخرين، وقد ينطوي سلوكه على قدر من الكاريكاتيريّة... هكذا، مثلاً، أحسّ الشيوعيّون الأشدّ التزاماً بشيوعيّتهم بهذا الصنف من الحرج عند تناولهم الزعيم الألبانيّ أنور خوجا أو سلالة كيم الكوريّة. وبابتسامة صفراء كانوا يقابلون الكلام عن «ماركسيّة» الإثيوبيّ منغستو والصوماليّ زياد بري. والشيء نفسه يصحّ في تناول الرأسماليّين الأشدّ التزاماً برأسماليّتهم زعماءً كفرديناند ماركوس، وموبوتو سيسي سيكو، وأوغستو بينوشيه. وحين كانت حركة القوميّة العربيّة، ممثّلةً بالناصريّة، لا تزال حيّة تُرزق، شغلَ معمّر القذّافي هذا الموقع الذي يستدرج السخرية استدراجه التنصّل. وهذا، في الحالات جميعاً، لا يلغي تقديم الدعم للحليف المحرِج أو الإفادة من دعمه لباقي التحالف، إلاّ أنّ الصلة به تبقى مثلومة تُلزم بشيء من الاعتذار عنها.

والحال أنّ حوثيّي اليمن يمثّلون هذا الدور داخل ما يُعرف بـ«محور الممانعة». فمنذ الإطلالة الأولى لناطقهم الحربيّ يحيى سريع على التلفزيون، يتبدّى أنّ في الأمر أعطاباً لا بدّ أن تُحرج أصحاب «المحور». ولا يلبث الانطباع الذي يخلّفه صراخ سريع أن يجد تعزيزه في تجمّعات هائجة يُراد أن يوحى لنا بأنّها، بأسلحتها البدائيّة، تتهدّد التجارة الدوليّة وطرق الملاحة. ونعلم جيّداً حجم الإصرار الذي تبديه أنظمة مشابهة للنظام الحوثيّ على إنزال جموع إلى الشارع تطلق حناجرها بهتافات وضعها آخرون في تلك الحناجر.

على أنّ إحدى أبرز خصوصيّات الحوثيّين مفادها انبثاق قدرتهم على التأثير في العالم من قطيعتهم مع العالم، أي من عدم التأثّر الكامل به، وإيثارهم عزلة وعتماً ملوّنين بتقنيّات حربيّة مهداة من إيران وربّما من الصين. وهي حقيقة مخيفة لأنّها تُظهر كم أنّ القرن الحادي والعشرين هشّ حيال ما ترسّب عن قرون سابقة.

فهم، من وجه، يشبهون الجيوش الخاصّة التي ازدهرت إبّان حرب الثلاثين عاماً في أوروبا القرن السابع عشر، وضمّت مقاتلين مأجورين تتعارض مصالحهم مع مصالح السكّان الذين يتوسّلون أرضهم لخوض الحروب، مستحضرين قوّتهم العضليّة بوصفها الأساس الأوحد لما يحرزونه من مكانة واعتراف. وهم، من وجه آخر، يذكّرون بالعصبيّة الخلدونيّة، بوصفها مصدراً للتغلّب بمعزل عن أيّة قيمة أخلاقيّة لما تحقّقه من مكاسب. فـ«أنصار الله» الحوثيّون، وعلى الضدّ من حركات أخرى جمعت بين العزلة والتأثير، يتقدّمون من العالم خالي الوفاض من أيّة قضيّة، كائنة ما كانت القضيّة. ذاك أنّ القدرة على الأذيّة، وابتزاز الآخرين بهذه القدرة، هو ما يُحسَب له الحساب الأهمّ، وهو وحده سُلّم الصعود من موقع محدود التأثير إلى موقع نافذ. لكنْ إذا كانت العصبيّة الخلدونيّة تؤسّس الدولة والمُلك، فهذه العصبيّة لا تؤسّس إلاّ ديمومة اللادولة والعيش، إلى ما لا نهاية، في الفوضى العارمة.

فالحوثيّة هي الميليشيا المطلقة، وإذا كان «حزب الله» اللبنانيّ والميليشيات العراقيّة تقتطع من سلطات بلدانها حصّة القرار الأخير والحاسم، فالحوثيّون لا يرضون بشراكة شريك، ولو ثانويّ، ولا يُقرّون بأيّ حاجة إلى «غطاء شرعيّ» يحتمون به. فهنا، نحن أمام الميليشيا وقد صارت دولة هي البديل الكامل من الدولة. ومن هنا فنشرها الفوضى كطريقة حياة وكعلاقة بالعالم الخارجيّ وثيق الصلة بانعدام إنجازها الداخليّ، وبتوطيدها السلطة على قاعدة الانعدام هذا. فمع الحوثيّين، تُصدّر أزمة بناء الدولة لتغدو أزمة إقليميّة وأزمة اقتصاد عالميّ، لا تعبيراً عن تنافس اقتصاديّ محموم مع القوى التي يؤذيها الحوثيّون، ولا نشراً لفكرة يظنّها أصحابها فكرة صائبة جديرة بالتعميم. والميليشيا المطلقة فوضاها مطلقة وأضرارها المتعاظمة تعبر كلّ حدّ، فتروح توزّعها على شعبها، واليمنيّون طبعاً ضحاياها المباشرون، ولكنْ أيضاً على جوارها.

وهكذا، لا تُقصف السعوديّة فحسب، بل يغدو اسمها «العدوّ السعوديّ»، وكان الظنّ بأنّ إسرائيل تحتكر هذا الوصف، علماً بخوائه وضحالته كائناً مَن كان الموصوف. أمّا بالنسبة إلى مصر فمنذ أواخر 2023، تُستهدف الملاحة في البحر الأحمر، مع ما يعنيه ذلك من تأثير على قناة السويس التي شهدت إيراداتها تراجعاً كبيراً وضعفت قدرتها على اجتذاب العملات الصعبة إلى الاقتصاد المصريّ.

وفي هذا نزعة خلاصيّة لكنّها خلاصيّة شمشونيّة لا تَعِد بالنصر في الحياة بقدر ما يُراد لها الإيحاء بالنصر على الحياة. فهي بالتالي حصيلة افتقارات وعلامةٌ على تعفّن الحركات والدعوات يتقدّم على هيئة انتصار لها، وهي إيذان بالنهايات يتقدّم على شكل بدايات ظافرة. بيد أنّها، مع هذا، لا تثير حرج حلفائها في الممانعة الذين يُفترض أنّهم يفوقونها جدّيّة، وفي أحيان كثيرة تثير حسدهم فيمجّدونها بوصفها أهمّ مصادر قوّتهم ومُصغّراً عن عالمهم المُشتهى. ذاك أنّها «تقاتل»، أليس كذلك؟!

omantoday

GMT 22:25 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

دخول مصرَ الحرب

GMT 22:24 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

أخباركم أخبارنا

GMT 22:22 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مصر والسعودية... «السيفُ أَصدقُ إنباءً من الكُتُبِ»

GMT 22:21 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الصورة الواقعية لمنطقتنا...من دون تجميل الـ«إيه آي»

GMT 22:18 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا... عودة الثنائية الحزبية

GMT 22:17 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

حرب عادلة ضد التمادي الحوثي

GMT 22:15 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

من يكره أطباء التجميل؟

GMT 22:14 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

ضياع فرصة الانتخابات الفلسطينية!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة



الأسود يحافظ على مكانته والفخامة ترافق الحاضرات في الجونة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 10:53 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن في الخريف وجهات تكتسي بألوان الطبيعة الساحرة
 عمان اليوم - الأردن في الخريف وجهات تكتسي بألوان الطبيعة الساحرة

GMT 11:03 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

خطأ مميت لنباتات الزينة يقوم به معظم المبتدئين
 عمان اليوم - خطأ مميت لنباتات الزينة يقوم به معظم المبتدئين

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon